الإمام أحمد المرتضى

تصدير 9

طبقات المعتزلة

وكانت مدّة ازدهار الاعتزال قصيرة ولما لم يعد مذهب الخلفاء والامراء الرسمي وفقد الحماية الرسمية خسر الكثير من مكانته بسرعة ، ومع ذلك لم يزل الكلام المعتزلي يؤثّر في تكوّن علم الكلام والفلسفة تأثيرا لم يكن يتوقّع منه مع قصر مدّة ازدهار هذا المذهب ، فلا يجوز ان يستدلّ من نكبتها على عدم نفوذه المعنوي في القرون التالية ، فان من المسائل التي ابدأتها المعتزلة ما بقي موضوعا لمناظرات أهل الكلام لمئات من السنين ، فعظم تأثير الفكر المعتزلي في تطوّر الفكر الاسلامي ، وقد تأثّر منه أيضا الفكر غير الاسلامي وتأثيره في الكلام المسيحي « المدرسي » مشهور ، وتأثّرت منه الفلسفة الدينية اليهودية حتى أنها كانت أحيانا متوجّهة بكلّيتها إلى الاعتزال وخاصّة إلى كلام الجبائي وأبي هاشم . والذي اختصّت به المعتزلة استنباط المسائل التي تعرض عند تطبيق العقل على الايمان وإفادة تلك المسائل بالألفاظ ، فكانت هي التي تعرّضت لمسألة النسبة بين الدين والعقل لاوّل مرّة وبقوّة فكرية عجيبة وثبات عظيم وحاولت حلّها بطريقة مبتكرة . ومما خدمت به المعتزلة دين الاسلام انها جادلت الثنوية وردّت مقالاتهم ووطّأت لأهل السنّة الطريق إلى اثبات عقيدتهم عند مجادلتهم للثنوية ولغيرها من الفرق ، قال الأستاذ ه . ريتر ( H . Ritter ) : « من أراد إن يفهم احدى العقائد السنّية فعليه ان يستحضر في خاطره انّ كل جملة منها انما هي ردّ على احدى الفرق المخالفة لها من الشيعة والخوارج والمرجئة والجهمية والمعتزلة ، ولقد تشكّلت عقيدة أهل السنّة بردّ الفرق « الضالّة » التي لم تسمّ « ضالّة » الا بعد غلبة أصحاب السنّة والجماعة » ( Philologika 2 / 252 ) . واما مصنفات المعتزلة فقد ضاع أكثرها ، ولذا يضطرّ الباحث عنها إلى استنباط مقالاتهم من كتب المجادلة لهم والردّ عليهم ومن الكتب التي ألّفها علماء السنّة في مقالات الفرق الاسلامية .